ابن كثير
484
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
عنهم « 1 » ، وقيل معناه كما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ قال : هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإنس ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ، يقول لا يسأمون « 2 » ، وكذا قال السدي وغيره أن يعني الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس ولا تسأم من إمدادهم في الشر ، لأن ذلك طبيعة لهم وسجية لا يُقْصِرُونَ لا تفتر فيه ولا تبطل عنه ، كما قال تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [ مريم : 83 ] قال ابن عباس وغيره : تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 203 ] وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 203 ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها يقول : لولا تلقيتها . وقال مرة أخرى : لولا أحدثتها فأنشأتها « 3 » ، وقال ابن جرير « 4 » عن عبد اللّه بن كثير عن مجاهد في قوله وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها قال : لولا اقتضيتها ، قالوا : تخرجها عن نفسك ، وكذا قال قتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، واختاره ابن جرير . وقال العوفي عن ابن عباس لَوْ لا اجْتَبَيْتَها يقول : تلقيتها من اللّه تعالى « 5 » . وقال الضحاك لَوْ لا اجْتَبَيْتَها يقول : لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء « 6 » . ومعنى قوله تعالى : وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ أي معجزة وخارق ، كقوله تعالى : إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [ الشعراء : 4 ] يقولون للرسول صلّى اللّه عليه وسلم : ألا تجهد نفسك في طلب الآيات من اللّه حتى نراها ونؤمن بها ، قال اللّه تعالى له : قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي أي أنا لا أتقدم إليه تعالى في شيء ، وإنما أتبع ما أمرني به فأمتثل ما يوحيه إلي ، فإن بعث آية قبلتها وإن منعها لم أسأله ابتداء إياها إلا أن يأذن لي في ذلك ، فإنه حكيم عليم ، ثم أرشدهم إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات وأبين الدلالات وأصدق الحجج والبينات ، فقال هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 204 ] وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 204 ) لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة ، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 6 / 158 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 158 . ( 3 ) انظر تفسير الطبري 6 / 159 . ( 4 ) تفسير الطبري 6 / 159 . ( 5 ) تفسير الطبري 6 / 160 . ( 6 ) تفسير الطبري 6 / 160 .